فخر الدين الرازي

153

المطالب العالية من العلم الإلهي

هذا الوسط إن استند إلى شيء ليس له خاصية الوسط ، فذاك هو المطلوب ، وإن لم يستند إلى شيء بهذه الصفة ، كان الوسط غنيا عن الاستناد إلى الطرف ، وما لم يستند إلى غيره فهو طرف وليس بوسط ، فالوسط ليس بوسط ، وإذا كان كذلك فعلّة المعلول الآخر وجب أن لا تستند إلى غيرها ، لأن التقدير ( تقدير ) « 1 » الوسط لا يجب استناده إلى غيره ، وإذا كانت هذه العلة غنية عن الاستناد إلى شيء ثالث ، كانت ظرفا ، فكانت واجبة الوجود لذاتها ، فيثبت أن نفي الطرف يوجب إثباته ، فوجب أن ( يكون ) « 2 » هذا النفي باطلا ، وأن يكون إثبات طرف الممكنات أمرا واجبا ، وهو المطلوب . البرهان السابع : أن نقول : إنا قد بينا في باب خواص الواجب والممكن أن الممكن لذاته ، ما لم يصر واجب الوجود عن سببه ، امتنع أن يدخل في الوجود ، وإذا كان كذلك كانت ضرورة الممكن لذاته أمرا واجبا لا يحصل له أمر إلّا بتبعية الغير ، إذا عرفت هذا فنقول : لو فرضنا أسبابا ومسببات لا نهاية لها ، لكان وجوب كل واحد منها تابعا ، لا أصليا ، إذ لو فرضنا واحدا منها يكون أصليا في الوجود ، لكان ذلك الواحد واجبا لذاته ، وقد فرضنا أنه ليس كذلك ، وإذا كانت وجوباتها بأسرها تابعة لوجوب شيء آخر ، فلا بد من متبوع ، لأن حصول التابع من حيث هو تابع بدون المتبوع محال ، فيثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون واجب الوجود ، على سبيل الأصالة ، لا على سبيل التبعية ( للغير ) « 3 » وكل ما كان كذلك فهو واجب الوجود لذاته ، فيثبت أنه لا بد في الموجودات من موجود واجب الوجود لذاته ، وهو المطلوب . فهذه جملة البراهين المعتبرة في إبطال التسلسل ( وباللّه التوفيق ) « 4 » .

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) .